عمر السهروردي

299

عوارف المعارف

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) « 1 » . فإذا تركت النفس تدبرت بالعقل ، واستقامة أحوالها الظاهرة والباطنة ، وتهذبت الأخلاق ، وتكونت الآداب . فالأدب استخراج ما في القوة إلى الفعل ، وهذا يكون لمن ركبت السجية الصالحة فيه ، والسجية فعل الحق لا قدرة للبشر على تكوينها ، كتكون النار في الزناد ، إذ هو فعل اللّه المحض ، واستخراجه بكسب الآدمي ، فهكذا الآداب منبعها السجايا الصالحة ، والمنح الإلهية . لما هيأ اللّه تعالى بواطن الصوفية بتكميل السجايا فيها ، توصلوا بحسن الممارسة والرياضة إلى استخراج ما في النفوس مركوز بخلق اللّه تعالى إلى الفعل ، فصاروا مؤدبين مهذبين . والآداب تقع في حق بعض الأشخاص من غير زيادة ممارسة ورياضة ، لقوة ما أودع اللّه تعالى في غرائزهم ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أدبنى ربى فأحسن تأديبى » . وفي بعض الناس من يحتاج إلى طول الممارسة ، لنقصان قوى أصولها في الغريزة ، فلهذا احتاج المريدون إلى صحبة المشايخ ، لتكون الصحبة والتعلم عونا على استخراج ما في الطبيعة إلى الفعل . قال اللّه تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً « 2 » . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : فقهوهم وأدبوهم . وفي لفظ آخر قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أدبنى ربى فأحسن تأديبى ، ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الشمس : الآيات 9 - 10 . ( 2 ) سورة التحريم : الآية 6 . ( 3 ) سورة الأعراف : الآية 199 .